مراس - مركز رؤية للإنماء والاستدامةمركز رؤية للإنماء والاستدامة
الرجوع
حلول عمرانية

الاستملاك: عندما تتخلى البلديات عن أقوى أدواتها التنموية

بعد أكثر من سبعين عاماً على صدور تشريعات الاستملاك الحديثة في لبنان، ما زالت هذه الأداة القانونية الأساسية غائبة إلى حد كبير عن الممارسة البلدية، رغم دورها المحوري في تأمين الأراضي اللازمة للحدائق والطرق والمرافق العامة ومشاريع التنمية المحلية.

حزيران 2026·٩ دقائق قراءة·مركز مراس

في المقالة السابقة تناولنا قانون الاستملاك بوصفه إحدى أهم الأدوات التي تملكها السلطات المحلية لتحقيق التنمية وصناعة المجال العام. فالبلدية التي تسعى إلى إنشاء حديقة عامة، أو شق طريق جديد، أو إقامة مركز ثقافي أو رياضي، أو توفير موقف سيارات أو ساحة عامة، لا تستطيع تحقيق ذلك من دون تأمين الأرض اللازمة للمشروع. ومن هنا جاءت أهمية الاستملاك باعتباره وسيلة قانونية تتيح للإدارة العامة تخصيص العقارات اللازمة للمنفعة العامة لقاء تعويض عادل لأصحابها.

غير أن المراقب للواقع البلدي في لبنان يلاحظ مفارقة لافتة. فبالرغم من أن لبنان عرف تشريعات الاستملاك الحديثة منذ عام 1954، أي منذ أكثر من سبعين عاماً، وبالرغم من التطورات التشريعية اللاحقة التي شهدها هذا المجال، فإن الاستملاك بقي في معظم البلديات أداة نادرة الاستخدام، تكاد تغيب عن الخطط والمشاريع البلدية إلا في حالات استثنائية محدودة. ويبدو وكأن هذه الصلاحية المهمة قد تراجعت تدريجياً إلى هامش العمل البلدي، على الرغم من أن الحاجة إليها أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى.

البلديات اليوم في ظل غياب الاستملاك

خلال العقود الأخيرة شهدت المدن والبلدات اللبنانية توسعاً عمرانياً كبيراً. فقد تضاعفت المساحات المبنية، وارتفعت الكثافات السكانية، وتزايدت الحاجة إلى المرافق والخدمات العامة. لكن هذا التوسع لم يرافقه في كثير من الأحيان نمو موازٍ في المساحات العامة والبنى التحتية والمرافق المشتركة. فالحدائق العامة ما زالت قليلة، والساحات العامة تتراجع، ومواقف السيارات تكاد تكون معدومة في العديد من البلدات، فيما تعاني الطرق من اختناقات متزايدة يصعب معالجتها بعد اكتمال البناء على جانبيها.

ولا يعود ذلك بالضرورة إلى غياب الأفكار أو المشاريع، بل إلى غياب القدرة على تأمين العقارات اللازمة لتنفيذها. فالمبادرة الخاصة تتحرك بصورة أسرع وأكثر مرونة، وتستفيد من كل قطعة أرض متاحة للبناء والاستثمار، بينما تبقى السلطة المحلية في كثير من الأحيان متفرجة إلى أن تصبح الأراضي المناسبة نادرة أو مرتفعة الثمن إلى حد يصعب معه التدخل. وهكذا تتحول التنمية المحلية إلى رهينة الفرص العرضية، فتُقام المشاريع العامة عندما تتوافر أرض مملوكة مسبقاً للبلدية أو عندما يحصل تبرع أو هبة، بدلاً من أن تكون نتيجة خطة واضحة ومقصودة.

وقد أدى هذا الواقع إلى خسارة فرص كثيرة كان يمكن أن تغير وجه العديد من المدن والبلدات اللبنانية. فكم من مسار طريق كان يمكن حجزه قبل عقود بكلفة مقبولة وأصبح اليوم شبه مستحيل التنفيذ؟ وكم من عقار كان صالحاً ليكون حديقة عامة أو ساحة أو مركزاً ثقافياً ثم ضاع نهائياً تحت ضغط الاستثمار العقاري؟ وكم من مبنى تراثي كان يمكن الحفاظ عليه وتحويله إلى مرفق عام قبل أن يختفي من المشهد العمراني؟ إن غياب الاستملاك لا يعني فقط غياب إجراء قانوني، بل يعني في كثير من الأحيان ضياع فرص تنموية لا يمكن تعويضها لاحقاً.

لماذا تراجعت البلديات عن استخدام هذه الأداة؟

لا يبدو أن سبب هذا التراجع يعود إلى نقص في النصوص القانونية، بل إلى مجموعة من الاعتبارات العملية والسياسية والإدارية التي تراكمت عبر السنوات.

في مقدمة هذه الأسباب تأتي الحسابات الشعبية والانتخابية. فالاستملاك، مهما كانت مشروعيته القانونية وأهميته العامة، يبقى قراراً قد يمس مباشرة مصالح بعض المالكين. وفي بيئة اجتماعية صغيرة ومترابطة كمعظم البلدات اللبنانية، تتردد بعض المجالس البلدية في اتخاذ قرارات قد تثير اعتراضات أو حساسيات محلية. وهكذا يصبح تجنب المواجهة هدفاً بحد ذاته، ولو كان الثمن التخلي عن مشروع ذي منفعة عامة يحتاج إليه المجتمع المحلي لعشرات السنوات المقبلة. وفي مثل هذه الحالات تتقدم الحسابات الآنية على الرؤية التنموية بعيدة المدى، وتتحول البلدية من سلطة تخطيط وتنمية إلى سلطة تسعى إلى المحافظة على التوازنات الاجتماعية القائمة.

أما السبب الثاني فيتمثل في التذرع الدائم بضعف الإمكانات المالية. فغالباً ما يُنظر إلى الاستملاك على أنه مشروع مكلف يفوق قدرات البلديات، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. غير أن هذه النظرة لا تعكس الصورة كاملة. فالاستملاك لا يعني بالضرورة تأمين كامل التمويل خلال فترة قصيرة، كما أن التشريعات المتعلقة به تمنح الإدارة مهلاً زمنية طويلة للمباشرة بتنفيذ المشاريع التي من أجلها جرى الاستملاك. وهذا يتيح للبلدية أن تضع خطة تدريجية لتأمين التمويل وأن توزع الأعباء على سنوات متعددة. كما أن وجود مشروع واضح ومدروس يسهل غالباً الحصول على مساهمات أو مساعدات من جهات مانحة أو من مؤسسات عامة معنية بالتنمية المحلية. ومن هنا فإن المشكلة لا تكمن دائماً في نقص الموارد بقدر ما تكمن في غياب المبادرة والتخطيط.

ويبرز أيضاً عامل ثالث لا يقل أهمية، يتمثل في ضعف الرؤية التخطيطية لدى عدد من البلديات. فالبلدية التي لا تملك تصوراً واضحاً لما تريد أن تكون عليه بلدتها بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، لن تشعر أصلاً بالحاجة إلى الاستملاك. أما البلديات التي تعمل وفق خطط استراتيجية واضحة، فإنها تدرك سريعاً أن تنفيذ أي مشروع مستقبلي يبدأ أولاً بتأمين الأرض اللازمة له. ولذلك يمكن القول إن تراجع الاستملاك هو في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لتراجع التخطيط طويل الأمد وسيطرة الإدارة اليومية على حساب التفكير الاستراتيجي.

ويضاف إلى ذلك ضعف الثقافة القانونية والإدارية المرتبطة بهذا الموضوع. فما زالت بعض المجالس تنظر إلى الاستملاك بوصفه إجراءً استثنائياً أو عدائياً تجاه الملكية الخاصة، في حين أن التجارب العالمية تثبت أنه أداة طبيعية تمارسها الإدارات العامة ضمن ضوابط قانونية دقيقة. فالاستملاك ليس اعتداءً على الملكية، بل هو توازن بين حق الفرد وحق المجتمع، وهو يقوم أساساً على مبدأ التعويض العادل وعلى خضوع الإدارة لرقابة القضاء.

ولعل أكثر ما يغيب عن النقاش هو أن كلفة عدم الاستملاك قد تكون في أحيان كثيرة أعلى من كلفة الاستملاك نفسه. فالبلدية التي تؤجل تأمين أرض لحديقة عامة أو لطريق أو لمرفق عام قد تجد نفسها بعد سنوات أمام أسعار مضاعفة أو أمام واقع عمراني يجعل المشروع مستحيلاً. وعندها يصبح ثمن التردد أكبر بكثير من ثمن القرار.

كيف يمكن إعادة تفعيل الاستملاك في العمل البلدي؟

إعادة الاعتبار إلى الاستملاك لا تبدأ من تعديل القوانين بقدر ما تبدأ من تغيير النظرة إلى هذه الأداة. فالبلديات تحتاج أولاً إلى الانتقال من منطق معالجة المشكلات عند وقوعها إلى منطق التخطيط المسبق والاستباقي. وعندما تصبح لدى البلدية رؤية واضحة للتنمية المحلية، يصبح من الطبيعي أن تحدد العقارات التي قد تحتاج إليها مستقبلاً وأن تعمل على تأمينها قبل أن تضيع الفرصة.

كما أن الاستملاك ينبغي أن يرتبط بالخطة الاستراتيجية للبلدية وبالمخططات التوجيهية المحلية، بحيث يصبح جزءاً من مشروع متكامل لتطوير البلدة أو المدينة. ومن المفيد أيضاً أن تعتمد البلديات سياسة تكوين احتياطي عقاري للمستقبل، لأن التنمية لا تُبنى فقط لتلبية حاجات الحاضر، بل أيضاً لتأمين احتياجات الأجيال المقبلة.

ومن الضروري كذلك تنويع مصادر التمويل وعدم حصر التفكير بالإمكانات الذاتية المباشرة للبلدية. فالمشاريع المدروسة والقابلة للتنفيذ تملك فرصاً أكبر للحصول على الدعم من الصندوق البلدي المستقل أو من الجهات المانحة أو من برامج التنمية المختلفة. كما أن نشر ثقافة المنفعة العامة يبقى عنصراً أساسياً في نجاح أي سياسة استملاك، لأن الهدف النهائي ليس انتزاع الملكية الخاصة، بل تحقيق التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة الجماعية.

خاتمة

إذا كانت المقالة السابقة قد تناولت الاستملاك باعتباره إحدى أهم أدوات التنمية المحلية، فإن الواقع البلدي اللبناني يكشف أن المشكلة لا تكمن في غياب هذه الأداة بل في ضعف استخدامها. فبعد أكثر من سبعة عقود على صدور أول تشريع حديث للاستملاك في لبنان، ما زالت العديد من البلديات تتصرف وكأن هذه الصلاحية غير موجودة، فتفقد تباعاً فرصاً عمرانية وتنموية يصعب تعويضها لاحقاً. والتنمية المحلية لا تحتاج فقط إلى الأموال والمشاريع، بل تحتاج أيضاً إلى الجرأة على استخدام الأدوات القانونية التي وُجدت أصلاً لخدمة المصلحة العامة وصناعة مستقبل أفضل للمجتمع المحلي.