مراس - مركز رؤية للإنماء والاستدامةمركز رؤية للإنماء والاستدامة
الرجوع
دراسات قانونية وعمرانية

إسقاط صفة الملك العام عن الأقسام المتعدّى عليها بالبناء

دراسة قانونية تبحث في مدى جواز إسقاط صفة الملك العام عن الأقسام المتعدّى عليها بالبناء، وتناقش العلاقة بين قرار الإسقاط وتسوية مخالفات البناء، في ضوء التشريع اللبناني والرأي الاستشاري رقم 5/2024 الصادر عن ديوان المحاسبة.

٢٩ تموز ٢٠٢٦·١٢ دقيقة قراءة·مركز مراس

دراسة قانونية في ضوء التشريع اللبناني والاجتهادات الاستشارية الحديثة

أولاً: في واقع الحال والإشكالية المطروحة

دأبت المديرية العامة للتنظيم المدني على عدم الموافقة على طلبات إسقاط صفة الملك العام عن الأقسام المتعدّى عليها بالبناء من الأملاك العامة البلدية، انطلاقاً من اعتبار أن وجود التعدي يشكّل مانعاً قانونياً يحول دون ذلك.

وتثير هذه المسألة إشكالاً قانونياً دقيقاً مؤدّاه: هل يشكّل قيام بناءٍ مخالف على قسمٍ من الأملاك العامة البلدية مانعاً قانونياً مطلقاً يحول دون إسقاط صفة الملك العام عنه، أم أن الأمر يبقى خاضعاً لتقدير السلطة المختصة متى توافرت شروطه القانونية؟

إن إعادة النظر في النصوص القانونية والاجتهادات الاستشارية الحديثة، ولا سيما الرأي الاستشاري رقم 5/2024 الصادر عن ديوان المحاسبة، تفضي إلى نتيجة مغايرة للنهج المعتمد، مؤدّاها أن القانون لا يتضمّن أي نص يحظر بصورة مطلقة إسقاط صفة الملك العام عن قسمٍ متعدّى عليه بالبناء، وإنما يترك هذا الأمر لتقدير السلطة المختصة متى توافرت شروطه القانونية.

ثانياً: استقلال مسألة إسقاط الملك العام عن مسألة تسوية المخالفة

ذلك أن قانون تسوية مخالفات البناء لا يعالج مسألة إسقاط الملك العام، وإنما يحدّد فقط نطاق المخالفات القابلة للتسوية. وقد جاء في أسبابه الموجبة أن غايته تنحصر بمعالجة المخالفات الواقعة في الأملاك الخاصة، دون التعديات الواقعة على الملك العام. كما نصّت المادة الأولى منه على أن أحكامه تطبَّق حصراً على الأبنية أو أقسام الأبنية المنشأة في الأملاك الخاصة بمالكيها.

ومن ثمّ، فإن امتناع القانون عن تسوية بناءٍ مقامٍ على الملك العام لا يعني استحداث مانع قانوني يحول دون إسقاط صفة الملك العام عن القسم المعتدى عليه إذا انتفت الحاجة العامة إليه، لأن موضوع الإسقاط يخضع لنظام قانوني مختلف، مصدره القرار رقم 144/س تاريخ 10/6/1925 وأحكام قانون البلديات، لا لقانون تسوية مخالفات البناء.

ويقتضي التمييز أيضاً بين مرحلتين قانونيتين مستقلتين: المرحلة الأولى تتمثّل بإسقاط صفة الملك العام عن القسم المطلوب، وهي مسألة تتعلق بالنظام القانوني للعقار وباستمرار تخصيصه للمنفعة العامة. أما المرحلة الثانية فتتعلق بالوضع القانوني للبناء المقام عليه بعد انتقاله إلى الملك البلدي الخاص، وهي تخضع عندئذٍ للأحكام التي ترعى الأبنية المقامة على الأملاك الخاصة، ولا سيما أحكام قانون تسوية مخالفات البناء أو غيره من التشريعات النافذة.

وعليه، فإن عدم جواز تسوية البناء طالما بقي مقاماً على الملك العام لا يستتبع بالضرورة عدم جواز إسقاط صفة الملك العام عن العقار، لأن لكلٍ من المسألتين نظامها القانوني المستقل.

ثالثاً: سند الإسقاط في التشريع النافذ وتأكيد ديوان المحاسبة

ويجد هذا الاتجاه سنده في البنية التشريعية الناظمة للأملاك العامة والخاصة؛ إذ أجازت المادة (24) من القرار رقم 144/س تاريخ 10/6/1925 إلغاء تسجيل أقسام من الأملاك العمومية وإدخالها في عداد الأملاك الخاصة للدولة أو البلدية، ثم نظّم القرار رقم 275 تاريخ 25/5/1926 إدارة الأملاك الخصوصية للدولة والتصرّف بها، بما يفيد أن انتقال العقار من الملك العام إلى الملك الخاص يشكّل انتقالاً من نظام قانوني إلى نظام قانوني آخر.

ويؤكد ديوان المحاسبة هذا التمييز بصورة واضحة في رأيه الاستشاري رقم 5/2024، إذ انتهى إلى أنه بالنسبة للتعديات الواقعة على الأملاك العامة البلدية، فإنه يمكن إسقاطها إلى الأملاك البلدية الخاصة كلما كان ذلك ممكناً، وعلى مسؤولية المراجع المختصة، وبعد اتّباع الأصول القانونية، وبعد استيفاء الرسوم والغرامات المترتّبة على التعدي، وأنه إذا لم تعد ثمة حاجة عامة إلى القسم المعتدى عليه فلا يوجد ما يحول دون إسقاطه إلى الملك البلدي الخاص.

كما أكّد الديوان أن إسقاط العقارات من الأملاك العامة وإلحاقها بالأملاك الخاصة يدخل ضمن السلطة الاستنسابية للإدارة المختصة المستمدّة من المادة 24 من القرار رقم 144/س تاريخ 10/6/1925، وأن تقدير إمكان الإسقاط يعود إلى الإدارة المختصة بحسب ظروف كل حالة، وليس عملاً مقيّداً أو ممنوعاً قانوناً.

رابعاً: التمييز بين الملك العام بطبيعته والملك العام بالتخصيص

ويتأكّد ما تقدّم بأصلٍ فقهيٍّ راسخ في القانون الإداري، مؤدّاه التفريق بين الأملاك العامة بطبيعتها والأملاك العامة بالتخصيص. فالأولى — كشاطئ البحر ومجاري المياه وضفافها — تستمدّ صفتها العامة من طبيعتها ذاتها، ولا يُتصوّر زوال هذه الصفة عنها ما بقيت على حالها. أما الثانية — كالطرق والأرصفة والساحات والأقسام المخصّصة للمنفعة العامة — فتستمدّ صفتها من تخصيصها لخدمةٍ عامة أو لاستعمال الجمهور، فإذا زال هذا التخصيص وانتفت الحاجة العامة إليها جاز إخراجها من الملك العام وإلحاقها بالملك الخاص للبلدية وفق الأصول.

ولمّا كانت الأقسام المتعدّى عليها بالبناء من الأملاك العامة البلدية إنما هي في الغالب من قبيل الأملاك العامة بالتخصيص لا بطبيعتها، فإن إسقاط صفتها العامة عند زوال تخصيصها وانتفاء الحاجة إليها يغدو أمراً جائزاً قانوناً لا يصطدم بأي مانعٍ مطلق، وهو ما يقرّه الفقه الإداري في لبنان (راجع دراسة Pierre Dagher, La Théorie du Domaine Public en Droit Libanais التي استند إليها ديوان المحاسبة في رأيه الاستشاري رقم 5/2024).

خامساً: الطبيعة الاستنسابية للقرار وعدم مساسه بحماية الملك العام

ولا يعني هذا الاتجاه التساهل مع مخالفات البناء أو تشجيع فرض الأمر الواقع، لأن قرار الإسقاط يبقى قراراً استنسابياً لا ينشئ حقاً للمعتدي، ولا يترتّب عليه أي التزام على الإدارة بالموافقة، بل يخضع لتقديرها الكامل في ضوء المصلحة العامة.

ولا يُعترض على ذلك بما استقرّ عليه الاجتهاد من إضفاء حمايةٍ مشدّدة على الملك العام ومن عدم جواز تكريس التعدّي عليه أو تملّكه بمرور الزمن؛ ذلك أن تلك الحماية تنصرف أساساً إلى الأملاك العامة بطبيعتها التي لا تقبل التصرّف ما دامت على حالها، في حين أن إسقاط صفة الملك العام بالتخصيص عند زوال الحاجة العامة عملٌ إداريٌّ مشروع لا يُعدّ تكريساً للتعدّي ولا شرعنةً له، وإنما هو ممارسةٌ لسلطة الإدارة في إعادة تكييف الوضع القانوني للعقار وفق مقتضيات المصلحة العامة، مع بقاء البناء المخالف بعد الإسقاط خاضعاً للأحكام الناظمة للأبنية المقامة على الأملاك الخاصة.

ومن ثمّ، لا يجوز أن يصبح مجرّد وجود تعدٍّ سبباً قانونياً كافياً لرفض طلب الإسقاط بصورة آلية، إذ إن ذلك يؤدي إلى تحويل السلطة الاستنسابية التي منحها القانون للإدارة إلى سلطة مقيّدة دون سند تشريعي.

سادساً: شروط جواز الإسقاط

لذلك، تكون الموافقة على إسقاط صفة الملك العام عن الأقسام المتعدّى عليها بالبناء جائزة قانوناً متى توافرت الشروط الآتية:

  1. أن يكون القسم المطلوب إسقاطه قد فقد وظيفته أو تخصيصه للمنفعة العامة، وألا تكون ثمة حاجة عامة حالية أو مستقبلية للإبقاء عليه ضمن الأملاك العامة.
  2. أن تثبت البلدية، بصفتها صاحبة الاختصاص في إدارة أملاكها، أن المصلحة العامة لا تتضرّر من الإسقاط، وأن تمارس سلطتها الاستنسابية في هذا الشأن.
  3. أن تؤكّد المديرية العامة للتنظيم المدني، بصفتها المرجع الفني، أن الإسقاط لا يتعارض مع التخطيط أو التنظيم العمراني أو متطلبات السلامة أو مشاريع المنفعة العامة.
  4. أن تُستكمل جميع إجراءات إسقاط صفة الملك العام وفق الأصول القانونية.
  5. أن تبقى مسؤولية المخالف قائمة عن الرسوم والغرامات وسائر الموجبات القانونية، وألا يؤدّي الإسقاط بحدّ ذاته إلى إضفاء المشروعية على البناء إلا وفق القوانين المرعية الإجراء.

سابعاً: الخلاصة والتوصية

وبناءً عليه، فإن النصوص القانونية النافذة، مقرونةً بالرأي الاستشاري الأخير لديوان المحاسبة، لا تحول دون إسقاط صفة الملك العام عن الأقسام المتعدّى عليها بالبناء، بل تجعل هذا الأمر خاضعاً لتقدير الإدارة المختصة، في ضوء المصلحة العامة والاعتبارات الفنية والقانونية في كل حالة على حدة، دون أن يشكّل ذلك مخالفة لقانون تسوية مخالفات البناء أو خروجاً على السياسة التشريعية الرامية إلى حماية الأملاك العامة.

وبذلك، يتبيّن أن التشريع اللبناني النافذ لا يتضمّن أي نص يحظر إسقاط صفة الملك العام عن الأقسام المتعدّى عليها بالبناء، متى استوفيت الشروط القانونية اللازمة لذلك؛ كما لا يُستفاد من قانون تسوية مخالفات البناء أي قيد في هذا الشأن، إذ اقتصر على تنظيم تسوية المخالفات دون أن ينظّم إسقاط صفة الملك العام أو يقيّده.

وعليه، يُقترح إعادة النظر في النهج الإداري المعتمد حالياً، بحيث لا تُرفض طلبات إسقاط هذه الأقسام بصورة تلقائية لمجرّد قيام بناء عليها، وإنما يُصار إلى دراسة كل حالة على حدة، للتحقق ممّا إذا كان استمرار بقاء القسم ضمن الأملاك العامة لا يزال تقتضيه حاجة عامة، وللتثبّت من عدم تعارض الإسقاط مع التخطيط والتنظيم العمراني أو أي مشروع ذي منفعة عامة، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب في ضوء السلطة الاستنسابية التي منحها القانون للبلدية، والرأي الفني الذي تبديه المديرية العامة للتنظيم المدني.

المراجع

  1. القرار رقم 144/س تاريخ 10/6/1925 (الأملاك العمومية)، ولا سيما المادة (24) منه، المتعلقة بإلغاء التسجيل عن بعض أقسام الأملاك العمومية وإدخالها في عداد الأملاك الخاصة.
  2. القرار رقم 275 تاريخ 25/5/1926 المتعلق بإدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية غير المنقولة.
  3. قانون البلديات الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30/6/1977 وتعديلاته.
  4. قانون التنظيم المدني الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 69 تاريخ 9/9/1983 وتعديلاته.
  5. قانون البناء الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 148 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته.
  6. القانون رقم 139 تاريخ 9/7/2019 (تسوية مخالفات البناء الحاصلة خلال الفترة من 13/9/1971 ولغاية 31/12/2018 ضمناً)، ولا سيما المادة الأولى والمادة الثانية والمادة السابعة عشرة.
  7. الرأي الاستشاري رقم 5/2024 الصادر عن ديوان المحاسبة بتاريخ 6/2/2024، بشأن تفسير الرأي الاستشاري رقم 64/2023، ولا سيما ما يتعلق:
    • بإمكانية إسقاط الأقسام المعتدى عليها من الأملاك العامة إلى الأملاك البلدية الخاصة عند انتفاء الحاجة العامة إليها.
    • وبالسلطة الاستنسابية للإدارة في تقرير الإسقاط وفق المادة 24 من القرار رقم 144/س تاريخ 10/6/1925.
  8. Pierre Dagher, La Théorie du Domaine Public en Droit Libanais, Revue Judiciaire, 1953 (المرجع الفقهي الذي استند إليه ديوان المحاسبة في الرأي الاستشاري رقم 5/2024).